أحمد بن محمد القسطلاني
392
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
لم يتقدم نهي عن الصلاة على المنافقين ، بدليل أنه قال في آخر هذا الحديث ، فنزلت : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا } [ التوبة : 84 ] وفي تفسير سورة براءة ، من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر ، فقال : تصلي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم ؟ ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( أنا بين خيرتين ) بخاء معجمة مكسورة ومثناة تحتية مفتوحة تثنية خيرة كعنبة أي أنا مخير بين الأمرين الاستغفار وعدمه ( قال الله تعالى : { اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } ) قال البيضاوي : يريد التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم ، كما نص عليه بقوله : { إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } [ التوبة : 80 ] فقال عليه الصلاة والسلام : لأزيدن على السبعين ، ففهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل ( فصلّى ) عليه الصلاة والسلام ( عليه ) أي : على عبد الله بن أبي ( فنزلت ) آية : ( { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا } ) [ التوبة : 84 ] . لأن الصلاة دعاء للميت واستغفار له . وهو ممنوع في حق الكافر ، وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه ، ونهى عن الصلاة عليه لأن الضنة بالقميص كان مخلاًّ بالكرم ، ولأنه كان مكافأة لإلباسه العباس قميصه ، كما مر . وزاد أبو ذر في روايته : ولا تقم على قبره ، أي : ولا تقف على قبره للدفن أو الزيارة ، واستشكل تخييره عليه الصلاة والسلام بين الاستغفار لهم وعدمه ، مع قوله تعالى : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } [ التوبة : 113 ] . الآية ، فإن هذه الآية نزلت بعد موت أبي طالب حين قال : والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ، وهو متقدم على الآية التي فهم منها التخيير . وأجيب : بأن المنهي عنه في هذه الآية استغفار مرجو الإجابة ، حتى لا يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم ، كما في أبي طالب ، بخلاف استغفاره للمنافقين ، فإنه استغفار لسان قصد به تطييب قلوبهم . اه - . وفي الحديث أنه تحرم الصلاة على الكافر ، ذمي وغيره ، نعم ، يجب دفن الذمي وتكفينه ، وفاء بذمته ، كما يجب إطعامه وكسوته حيًّا . وفي معناه : المعاهد والمؤمن بخلاف الحربي ، والمرتد ، والزنديق . فلا يجب تكفينهم ولا دفنهم ، بل يجوز إغراء الكلاب عليهم إذ لا حرمة لهم . وقد ثبت أمره عليه الصلاة والسلام ، بإلقاء قتلى بدر في القليب بهيئتهم ، ولا يجب غسل الكافر لأنه ليس من أهل التطهير ، ولكنه يجوز ، وقريبه الكافر أحق به . وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في : اللباس والتفسير ، ومسلم في : اللباس ، وفي : التوبة ، والترمذي في : التفسير ، وكذا النسائي فيه ، وفي : الجنائز ، وابن ماجة فيه . 1270 - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرًا - رضي الله عنه - قَالَ : " أَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ ، فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ " . [ الحديث 1270 - أطرافه في : 1350 ، 3008 ، 5795 ] . وبه قال : ( حدّثنا مالك بن إسماعيل ) بن زياد النهدي الكوفي ، قال : ( حدّثنا ابن عيينة ) سفيان ( عن عمرو ) بفتح العين هو : ابن دينار ( سمع جابرًا ) هو : ابن عبد الله الأنصاري ( رضي الله عنه قَالَ ) : ( أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، عبد الله بن أبي ) جملة من فعل وفاعل ومفعول ( بعدما دفن ) دلي في حفرته ، وكان أهله خشوا على النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المشقّة في حضوره ، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصوله عليه الصلاة والسلام ، فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته ، فأمرهم بإخراجه ( فأخرجه ) منها ( فنفث فيه ) أي : في جلده ( من ريقه ، وألبسه قميصه ) إنجازًا لوعده في تكفينه في قميصه ، كما في حديث ابن عمر . لكن استشكل هذا مع قول ابنه في حديث ابن عمر ، يا رسول الله ، أعطني قميصك أكفنه فيه ، فأعطاه قميصه . وأجيب بأن معنى قوله : فأعطاه أي : أنعم له بذلك ، فأطلق على العدة اسم العطية مجازًا لتحقق وقوعها ، وقيل : أعطاه عليه الصلاة والسلام أحد قميصيه ، أولاً ، ثم لما حضر أعطاه الثاني ، بسؤال ولده . وفي الإكليل للحاكم ما يؤيد ذلك . 24 - باب الْكَفَنِ بِغَيْرِ قَمِيصٍ ( باب الكفن بغير قميص ) هذه الترجمة ثابتة للأكثرين ، وسقطت للمستملي ، لكنه زادها في التي قبلها عقب قوله : أو لا يكف . فقال : ومن كفن بغير فميص ، كما بينته . 1271 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ " كُفِّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابِ سَحُولَ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ " . وبالسند قال : ( حدّثنا أبو نعيم ) الفضل بن دكين ، قال : ( حدّثنا سفيان ) الثوري ( عن هشام عن ) أبيه ( عروة ) بن الزبير بن العوام ( عن عائشة رضي الله عنه قالت ) : ( كفن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، في ثلاثة أثواب سحول ) كذا مضافًا ، والذي في اليونينية : أثواب ، بالخفض من غير تنوين ، سحول ، بفتح اللام .